عبد الملك الجويني

22

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد

فوق ، تعالى اللّه عن قولهم . ومن الدليل على فساد ما انتحلوه أن المختص بالجهات يجوز عليه المحاذاة مع الأجسام ، وكل ما حازى الأجسام لم يخل من أن يكون مساويا لأقدارها ، أو لأقدار بعضها ، أو يحازيها منه بعضه ، وكل أصل قاد إلى تقدير الإله أو تبعيضه فهو كفر صراح . ثم ما يحازي الأجرام يجوز أن يماسها ، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها كان حادثا ، إذ سبيل الدليل على حدث الجواهر قبولها للمماسة والمباينة على ما سبق . فإن طردوا دليل حدث الجواهر ، لزم القضاء بحدث ما أثبتوا متحيزا ؛ وإن نقضوا الدليل فيما ألزموه ، انحسم الطريق إلى إثبات حدث الجواهر . فإن استدلوا بظاهر قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ سورة طه : 5 ] ، فالوجه معارضتهم بآي يساعدوننا على تأويلها ، منها قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ سورة الحديد : 4 ] ، وقوله تعالى : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ سورة الرعد : 33 ] . فنسائلهم عن معنى ذلك ؛ فإن حملوه على كونه معنى بالإحاطة والعلم ، لم يمتنع منا حمل الاستواء على القهر والغلبة ، وذلك شائع في اللغة ، إذ العرب تقول استوى فلان على الممالك إذا احتوى على مقاليد الملك واستعلى على الرقاب . وفائدة تخصيص العرش بالذكر أنه أعظم المخلوقات في ظن البرية ، فنص تعالى عليه تنبيها بذكره على ما دونه . فإن قيل : الاستواء بمعنى الغلبة ينبئ عن سبق مكافحة ومحاولة ، قلنا : هذا باطل ، إذ لو أنبأ الاستواء عن ذلك لأنبأ عنه القهر . ثم الاستواء بمعنى الاستقرار بالذات ينبئ عن اضطراب واعوجاج سابق ، والتزام ذلك كفر . ولا يبعد حمل الاستواء على قصد الإله إلى أمر في العرش ، وهذا تأويل سفيان الثّوري رحمه اللّه واستشهد عليه بقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ سورة فصلت : 11 ] ، معناه قصد إليها . فإن قيل : هلا أجريتم الآية على ظاهرها من غير تعرض للتأويل ، مصيرا إلى أنها من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا اللّه ، قلنا : إن رام السائل إجراء الاستواء على ما ينبئ عنه في ظاهر اللسان ، وهو الاستقرار ، فهو التزام للتجسيم ؛ وإن تشكك في ذلك كان في حكم المصمم على اعتقاد التجسيم ، وإن قطع باستحالة الاستقرار ، فقد زال الظاهر ، والذي دعا إليه من إجراء الآية على ظاهرها لم يستقم له ، وإذا أزيل الظاهر قطعا فلا بد بعده في حمل الآية على محمل مستقيم في العقول مستقر في موجب الشرع . والإعراض عن التأويل حذرا من مواقعة محذور في الاعتقاد يجر إلى اللبس والإيهام ، واستزلال العوام ، وتطريق الشبهات إلى أصول الدين ، وتعريض بعض كتاب اللّه تعالى لرجم الظنون . والمعنيّ بقوله تعالى : وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [ سورة آل عمران : 7 ] الآية . مراجعة منكري البعث لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في استعجال الساعة ، والسؤال عن منتهاها وموقعها ومرساها . والمراد بقوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ سورة آل عمران : 7 ] ، أي وما يعلم مآله إلا اللّه ، ويشهد